حيدر حب الله

173

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

ب - مشاركة الكثير جداً منهم في الحروب الداخليّة التي وقعت بين المسلمين ، فلو كان المشاركون قلّةً لأمكن الجمع والتوصيف ، أمّا مع كونهم كثرة فكيف يمكن تفسير ذلك ؟ ! أعتقد أنّ أحد أهم عناصر التمسّك الشيعي بنفي نظريّة عدالة الصحابة هو هذه القضيّة المركّبة من جزءين ، وهذا ما يجعل نظريّة عدالة الصحابة من عوائق إنتاج نظريّة الإمامة في الفكر الشيعي ، والعكس هو الصحيح ، فإنّ نفي نظريّة عدالة الصحابة مع القول بفسق أغلبهم هو المفهوم الطبيعي الذي يمكن ترقّبه في مناخ نظريّة الإمامة ؛ لأنّ السؤال الذي سيطرح نفسه هو : إذا كان الصحابة عدولًا فكيف تركوا الخليفة الشرعي الذي وصّى به الرسول صلى الله عليه وآله ؟ وإذا كانت الإمامة حقيقةً واقعة فكيف يمكن أن يتخذ هذا الموقف منها الصحابة العدول ؟ ! هذه الإشكاليّة المتصلة بمسألة الإمامة لا تَرِد على أصول الفكر السنّي ؛ لعدم ثبوت الإمامة بالنصّ هناك ، لكنّها أساسيّة جدّاً على أصول الفكر الشيعيّ . لكي ندرس هذا الموضوع باختصار وتكثيف ، لابدّ من عرضه على النظريّات المتعدّدة في قضيّة الإمامة ، ويمكنني هنا عرض بعض هذه النظريّات سريعاً ورصد النتيجة وفقها : النظريّة الأولى : وهي ما يمثل المعروف بين الإماميّة ، من النصب الإلهي بالاسم للإمام عليّ بعد النبيّ خليفةً بعلمٍ من أغلب المسلمين على الأقلّ ، خاصّة بعد حادثة غدير خمّ ، ومن ثمّ فما وقع في سقيفة بني ساعدة هو غصبٌ للخلافة على مرأى المسلمين ومسمع . وفقاً لهذه النظريّة تظهر الصيغة الإشكاليّة المتقدّمة في التوفيق بين تعديل الأعم الأغلب من الصحابة وبين نظريّة الإمامة . النظريّة الثانية : وهي ما يمثل الرأي المشهور بين أهل السنّة ؛ وذلك أنّه لا يوجد تنصيب للإمام عليّ مطلقاً ، لا من قبل الله ولا من قبل النبيّ ، بل إن لم نقل بتنصيب أبي بكر أو الأربعة الأول فإنّ المسؤوليّة وضعت على كاهل الأمّة في اختيار خليفةٍ لها بعد النبيّ ، وقد قامت بوظيفتها . ووفقاً لهذه النظريّة ، لا توجد مشكلة أساساً في موضوع بحثنا ، كما هو واضح .